حبيب الله الهاشمي الخوئي

15

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

وعفرتهم للمآخر ، ووطئتهم بالمناسم ، وأعانت عليهم ريب المنون ، فقد رأيتم تنكَّرها لمن دان لها وآثرها وأخلد إليها حتّى ظعنوا عنها لفراق الأبد ، هل زوّدتهم إلَّا السّغب ، أو أحلَّتهم إلَّا الضّنك ، أو نوّرت لهم إلَّا الظَّلمة ، أو أعقبتهم إلَّا النّدامة ، أفهذه تؤثرون أم إليها تطمئنّون أم عليها تحرصون فبئست الدّار لمن لم يتّهمها ولم يكن فيها على وجل منها ، فاعلموا وأنتم تعلمون بأنّكم تاركوها وظاعنون عنها ، واتّعظوا فيها بالَّذين قالوا من أشدّ منّا قوّة ، حملوا إلى قبورهم ، فلا يدعون ركبانا ، وأنزلوا الأجداث فلا يدعون ضيفانا ، وجعل لهم من الصّفيح أجنان ، ومن التّراب أكفان ، ومن الرّفات جيران ، فهم جيرة لا يجيبون داعيا ، ولا يمنعون ضيما ، ولا يبالون مندبة ، إن جيدوا لم يفرحوا ، وإن قحطوا لم يقنطوا ، جميع وهم آحاد ، وجيرة وهم أبعاد ، متدانون لا يتزاورون ، وقريبون لا يتقاربون ، حلماء قد ذهبت أضغانهم ، وجهلاء قد ماتت أحقادهم ، لا يخشى فجعهم ، ولا يرجى دفعهم ، استبدلوا بظهر الأرض بطنا ، وبالسّعة ضيقا ، وبالأهل غربة ، وبالنّور ظلمة ، فجاؤها كما فارقوها حفاة عراة ، قد ظعنوا بأعمالهم إلى الحياة الدّائمة ، والدّار الباقية ، كما قال سبحانه : * ( يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ